الغزالي
147
إحياء علوم الدين
وقالت عائشة [ 1 ] رضي الله عنها : لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتحم الناس حين ارتفعت الرّنة ، وسجّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الملائكة بثوبه ، فاختلفوا فكذّب بعضهم بموته ، وأخرس بعضهم فما تكلم إلا بعد البعد ، وخلط آخرون فلاثوا الكلام بغير بيان ، وبقي آخرون معهم عقولهم ، وأقعد آخرون . فكان عمر بن الخطاب فيمن كذّب بموته ؟ وعلي فيمن أقعد ، وعثمان فيمن أخرس . فخرج عمر على الناس وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمت ، وليرجعنه الله عز وجل ، وليقطعن أيدي وأرجل رجال من المنافقين يتمنون لرسول الله صلى الله عليه وسلم الموت . إنما واعده الله عز وجل كما واعد موسى ، وهو آتيكم . وفي رواية أنه قال : يا أيها الناس كفوا ألسنتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يمت . والله لا أسمع أحدا يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات إلا علوته بسيفي هذا . وأما على فإنه أقعد فلم يبرح في البيت وأما عثمان فجعل لا يكلم أحدا ، يؤخذ بيده فيجاء به ويذهب به . ولم يكن أحد من المسلمين في مثل حال أبي بكر والعباس ، فإن الله عز وجل أيّدهما بالتوفيق والسداد وإن كان الناس لم يرعوا إلا بقول أبي بكر ، حتى جاء العباس فقال : والله الذي لا إله إلا هو لقد ذاق رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت ، ولقد قال وهو بين أظهركم * ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) * « 1 » [ 2 ] وبلغ أبا بكر الخبر وهو في بني الحارث بن الخزرج ، فجاء ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظر إليه ، ثم أكب عليه فقبّله ، ثم قال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ،
--> « 1 » الزمر : 30 ، 31